العالم الرباني بين الماضي والحاضر)
يعتبر العالم الرباني- وهو الذي جمع بين العلم الشرعي والتقوى- صاحب مكانة رفيعة عند الله تعالى، ويكفي في بيان هذه المكانة: استشهاد الله تعالى به على وحدانيته مقرونة بشهادة ذاته جل وعلا المقدسة، وشهادة ملائكته المقربين، وتفضيله على من لايعلم من الخلق، ورد الامور الشرعية اليه عند الاستشكال فيها، واستغفار كل شيئ له، وتواضع الملائكة له، وحصر ارث النبوة- العلم- في شخصه دون سواه، الى غير ماهنالك
وقد عرفت له الأمة فيما مضى هذه المكانة حق المعرفة، فكان اذا نزل بقوم فرحوا بنزوله بينهم، وعدوا ذلك مكسبا عظيما، ومغنما كبيرا، وجوهرة لاتقدر بثمن،فتراهم يتسابقون الى التعلم منه، ويزدحمون في الوصول اليه، والجلوس بين يديه، حتى ان أحدهم لينام عند عتبة بابه، ويتوسد يديه تارة، وثوبه أو جبته تارة أخرى، والريح تسفي التراب على ظهره غير مكترث بذلك، من أجل ألا يفوته شيئ من حديثه، أو مجلس من مجالس املائه
ومن أشهر من فعلوا ذلك: عبدالله بن عباس من الصحابة، وعبدالرحمن بن القاسم من أتباع التابعين الذي لازم شيخه الامام مالكا رحمه الله ثمانية عشر عاما، لم يشتغل فيها بالكسب قط، وكان شيخه يجده كل صباح مستيقظا عند بابه، متأهبا لسماع حديث او حديثين منه يلقيهما عليه في أثناء سيره الى المسجد، الامرة واحدة وجده نائما، وقد غلبته عيناه من شدة الاعياء فعذره
وممن ازدحم عليه الطلبة من المشايخ وتسابقوا الى السماع منه من المحدثين: أبومسلم الكجي، الذي كان يحضر عنده نيف وأربعون الف محبرة سوى النظّارة- وهم الذين يشاهدون ولايكتبون-، وعاصم بن علي الذي رصد في مجلسه أكثر من مائة الف انسان، وابو الفرج بن الجوزي الذي عد في مجلسه أكثر من خمسين الفا، وهلم جرا
وكانوا يعتبرون من قصّر في السماع من شيخ نزل بهم غبنا ورزقا فات صاحبه، قال قتادة: قلت لشعيب بن الحبحاب: نزل علي أبو العالية الرياحي، فأقللت عنه الحديث، فقال: السماع من الرجال أرزاق.
وكانوا مع ذلك من أشد الناس توقيرا واجلالا لمشايخهم واحتراما لهم عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم(( ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا))
قال المغيرة: كنا نهاب ابراهيم اي النخعي كما نهاب الامير، وقال البخاري: مارأيت احدا أوقر للمحدثين من يحيى بن معين.
وكان الطلبة عند الامام مالك كأنما على رؤوسهم الطير، ولايتكلم أحد منهم الا بإذن.
وقال ابن عباس: كنت آتي باب أحد الأنصار فأقيل ببابه- أي ينام نومة القيلولة- ولوشئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي، لقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كنت أبتغي طيب نفسه.
ولك بعد هذا أن تقارن حال هذا العالم أمس بحاله اليوم الذي ربما يعتبر كالغريب بين الناس، فهو غير مرحب به، ولامرغوب في علمه، ولاوزن ولاقيمة لكلامه، ولا لآرائه، واجتهاداته، وفتاواه الصائبة الاماندر.
ولايأل مرضى النفوس منهم في اغداق ألقاب السوء عليه، فهو في نظرهم: اما حزبي، او داعشي، او تكفيري، او مرتزق، او متملق، او مصلحي، او، او فهم معه كما وصفهم الله تعالى( ان الذين اجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون واذا مروا بهم يتغامزون)
وخذ مثلا في ذلك: الشيخ العلامة عبدالمجيد الزنداني حفظه الله، الذي يعتبر أحد أشهر علماء الأمة في العصر الحديث علما، ودعوة، وجهادا، وكم أسلم على يديه من علماء الغرب الكبار، وكم أفاد الأمة بالاعجاز العلمي في القرآن والسنة، هذا العالم الرباني نحسبه كذلك ولانزكي على الله احدا يزهد فيه اهل بلده- وأقصد حكومتهم- بل وتعلن الحرب عليه عن طريق اعلامها وعلمانييها، وماتركوا شيئا الا وصموه به حتى عرضه لم يسلم منهم، لكن الله تعالى كان معه، فنصره عليهم، وانتقم منهم،فأزال تلك الحكومة ومن وراءها، وأهلك من تطاول على عرضه بشرّ مِيتة بسقوطه من أعلى الجبل، ونجاه من أيدي المتربصين به، وتلك هي عاقبة اولياء الله المؤمنين في الدنيا( ان الله يدافع عن الذين آمنوا) ( انا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد)
وانا لنرجو له في الآخرة حسن العاقبة( والعاقبة للمتقين)




ليست هناك تعليقات: