سرقة الوقت) (١-٢)
لايختلف العقلاء وفي مقدمتهم العلماء في اهمية الوقت وفوائده، ومن ثمّ اختلفت عباراتهم في بيان هذه الأهمية، فمن قائل: هو الحياة والعمر، وهو القول الصائب، ومن قائل: هو من ذهب، وهو القول الأشهر والمتداول ويقصد اصحاب هذا القول أن الوقت غال جدا، ويشبه في غلائه غلاء الذهب، أي فلايجوز التفريط فيه، ولابه دون أن يقابله عوض كبير، يتناسب مع ثمنية الذهب وجوهره النفيس.
ومن قائل: هو اللحظات التي تعيشها، وتمارس فيها برامجك وأنشطتك، وهو أيضا قول صائب إن لم يكن هو الأرجح، بدليل أننا نطلق ذلك على او قات مخصوصة هي اوقات الصلاة، فنقول: وقت صلاة الفجر، ووقت صلاة الظهر، ووقت صلاة العصر، الخ، وهي اوقات محددة ومعلومة لاتتعداها الى غيرها
وحين نقول هذا فلا يعني أننا نخرجه من الوقت العام الذي هو الحياة والعمر، فرجع هذا القول تلقائيا الى القول الأول، غير أنه أخص منه، وهذا هو محل حديثنا في هذه الأسطر على اعتبار أن الذي يُسرق منك، هو هذا الوقت الخاص، وليس كل وقتك، أو حياتك وعمرك كله إلا اذا كنت من الغافلين والساهين الذين ذمهم الله في قوله( قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون) فذلك بحث آخر لاتتناوله هذه الأسطر.
وبعد هذه المقدمة أتساءل هل نحن نسرق أوقاتنا بأنفسنا؟ وهل أحد غيرنا يسرق منا أوقاتنا؟ فيذهب جزء كبير منها أو الجزء الأكبر منها بلافائدة؟
ولاعجب اذا أجبتُ ب: نعم، وما أكثر هذه السرقات، وخذ مثلا على ذلك:
١- الزيارات الطويلة التي تقوم بها انت لغيرك، او يقوم بها غيرك اليك، اذا لم تكن لصلة ذوي الأرحام، كم تأخذ عليك من وقت؟ وكم تذهب عليك من ساعات سدى بلا فائدة سوى كثرة القيل، والقال، والضحك، واللهو الامارحم، وليتك تخرج منها كفافا لا لك ولا عليك، بل لعلك ترجع محملا بالأوزار، نتيجة غيبة، أو نميمة، او قذف، او تدخل فيما لايعنيك، ولو عرفت أهمية هذا الوقت ولا أظنك تجهله، لاقتصرت فيه على مايؤدي الغرض، ويسقط الواجب، دون الاطالة مالم تستدعيها الظروف والمناسبات، على انه ينبغي على من استدعاه ذلك أن يستغل وقتها مهما أمكنه فيما فيه فائدة كدرس يلقيه على الحاضرين ان كان اهلا لذلك، او خاطرة يطرحها، او يشغل نفسه بالذكر والاستغفار، ولك في النبي صلى الله عليه وسلم أسوة فقد كان يُعد له في المجلس الواحد من الاستغفار أكثر من سبعين مرة.
ويمكن ايضا أن تشغل نفسك اذا كانت الزيارة اليك بأي شيئ فيه فائدة آنية لك، او مستقبلية، حتى ولو كانت ببري الأقلام، وصف الأوراق والكتب، وتجهيز مستلزمات تحتاجها كما كان يفعل الامام ابن الجوزي رحمه الله، فقد كان اذا أتاه زوار، أخذ يلاطفهم ويحدثهم وهو يبري أقلامه، ويجمع محابره وأوراقه استعدادا للكتابة بعد خروجهم، فلم تكن تضيع عليه لحظة الا في فائدة حسب مانقل، ولذلك كان هو أحد الأئمة المكثرين من التأليف، حيث تجاوزت مؤلفاته ثلاثمائة كتاب، تتراوح بين المجلدات الكبار ذوات الأجزاء الكثيرة، وبين المجلد الواحد، والجزء اللطيف
يتبع...
( سرقة الوقت)(٢-٢)
ومن الأمور التي تسرق الوقت منا:
٢- السهر الطويل في مشاهدة التلفاز، ومتابعة مواقع التواصل الاجتماعي من فيس بوك، وواتس، وتويتر، ويوتيوب، وتلغرام، وغيرها، حتى ان كثيرا من الناس أصبح مهوسا بها الى درجة الجنون، او الادمان عليها،فتراه يمضي الساعات الطوال- تصل احيانا الى خمس عشر ساعة ان لم يكن أكثر- يتقلب فيها من قناة الى قناة، ومن موقع الى موقع، ومن صفحة الى صفحة، فاذا فتر رقد، فاذا استيقظ عاد، وهكذا دواليك، وليس في قاموسه ولاجدوله حظ لربه، ولا لأهله وولده، ولا حتى لمصالحه الخاصة،أفليس هذا هو الغبن ذاته الذي أشار اليه الحديث" اثنتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ"؟
وقد ذكر العلماء استنباطا من الهدي النبوي الشريف كراهة السهر عموما الا في مواضع منها: طلب العلم، او مع الأهل، او مع الضيف، او في مصلحة عامة، او في مصلحة خاصة قد تفوت بفوات وقتها، او تتطلبها الظروف، والأحوال، والمناسبات التي قد يلحق الشخص حرج اجتماعي، او انساني من الاخلال بها.
وتأتي الكراهة من حيث ان السهر الطويل له أضرار اجتماعية، وبدنية، ودينية، وقد جاء الاسلام بحفظ المصالح، ودفع المفاسد، والتحذير من التقصير في الحقوق
٣- النوم لفترة متواصلة تمتد لثمان ساعات فأكثر، وقد شاع طبيا، وعند عامة الناس ان الجسم يحتاج لنوم ثمان ساعات دون انقطاع، حتى يأخذحقه من الراحة الكاملة، والنشاط المتجدد، وهذا القول وان كان حسنا الا انه لايتناسب مع حياة المسلم العبادية التي توجب عليه الاستيقاظ لصلاة الفجر في وقته حتى ولو لم ينم قبلها الا دقائق معدودة فضلا عن ثمان ساعات، وتندبه كذلك الى ان يقوم ثلث الليل الآخر، او بعضه او جزءا كبيرا منه،وهو وقت لايقل عن ثلاث ساعات ونصف، على انه يمكن للانسان ان يعوض ما فاته من نوم الليل بنوم القيلولة التي حث عليها الاسلام، وكان ينامها النبي صلى عليه وسلم
وفوائد نوم القيلولة قريب من نوم الليل، وبها يحصل للشخص حظه من النوم، واستعادة نشاطه
٤- المحادثات الطويلة المباشرة، او عن طريق التلفون، وقد رأيت من يتحدث لأكثر من ساعة مع آخر من غير شعور بالملل،وقد كنت أسكن في مكة بجوار استاذ سوداني، فكنا اذا خرجنا من المسجد نقف أحيانا للتحدث فتمر الساعة، وربما تزيد وهو يطوّف بك في الحديث من هنا وهناك، وذكرني هذا بحال الامام احمد بن حنبل رحمه الله- مع الفارق- فانه كان اذا لقي احد كبار المحدثين القادمين استغله في مذاكرة الحديث، وفي احدى المرات لقي أحدهم فخرجا من صلاة العشاء ووقفا يتذاكران حتى سمعا صوت المؤذن لصلاة الفجر.
٥- الاجتماعات المطولة المتكررة من اجل تحسين الأداء والعمل، وهذه لابأس بها ان دعت اليها الحاجة، وان أمكن تقليص وقتها مع الحصول على المراد منها فهو أفضل، ولا أسوأ من هذه الاجتماعات اذا كانت ليلا، وبشكل دائم لأنها بلاشك تؤثر على كثير من الناس في حياتهم العبادية، والعملية.
٦- المجالس والديوانيات، وهذه أكثر الأحوال الاجتماعية سرقة للوقت، لأنها لاتستغل في الغالب في أي فائدة، وانما هي في قول: قيل، وقال،وفي ممارسة الضحك، والانبساط، والفرح، والمرح
٧- السياحة والتنزهات المتكررة، وهذه لابأس بها اذا تم ترشيدها لأنها تدخل في " او لم يسيروا في الارض" وفي " ولنفسك عليك حقا" لكن اذا لم تكن كذلك فهي من أكثر الاحوال التي يلحق بها الشخص غبن كبير
وفقنا الله واياكم لاغتنام اوقاتنا في كل مافيه فائدة لنا في ديننا ودنيانا




ليست هناك تعليقات: